أســـــد برقه وسيـــد الصحـــراء

بواسطة: كُتاب بيت العز - آخر تحديث: 20 سبتمبر 2019
أســـــد برقه وسيـــد الصحـــراء



عـــــــمر المخـــتار

تمهيد ايطـــاليا لأحتـــــلال ليبيـــــــــا

تطلعت إيطاليا إلى احتلال ليبيا بعد أن سقطت معظم دول شمال إفريقيا في قبضة الاحتلال الفرنسي، وكانت الأحوال الدولية تساعدها على تحقيق هذا التطلع، فالدولة العثمانية صاحبة الولاية على ليبيا في أضعف أحوالها بعد أن أصبح حزب (الاتحاد والترقي) هو الذي يوجه سياستها، وكانت سياسة تتسم بالطيش وعدم الروية، وتبتعد كثيرًا عن السياسة الحكيمة التي مارسها السلطان “عبدالحميد الثاني”، ومهدت إيطاليا لما ستقدم عليه بإرسال الإرساليات التشيرية وإقامة المدارس والمستشفيات في ليبيا؛ انتظارًا للحظة المناسبة التي جاءت في سنة (1329 هـ= 1911م)، حين أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وقامت باحتلال ليبيا لتكون مستعمرة لها، وجردت لحملتها الغاشمة خمسة وثلاثين ألف جندي مدججين بمختلف الأسلحة، وتساندهم الطائرات التي استعملت في القتال لأول مرة، ومعظم قطع الأسطول البحري، وحسبت القوات الإيطالية أنها في نزهة أو عملية تدريب، فليس لهؤلاء الليبيين عهد بالحروب الحديثة، ولا قدرة على مواجهتها، غير أنها فوجئت بما لم تحسب له حساب، فالمقاومة في غاية الشراسة، والدفاع عن شرف البلاد مستميت، والرغبة في الشهادة عارمة، فذاقت القوات الإيطالية طعم الهزيمة القاسية من حيث لا تحتسب.

وكان هذا بداية المقاومة التي طالت، وطلائع رفض الاحتلال التي اشتدت يومًا بعد يوم، وقُدِّر لـ”عمر المختار” أن يقود حركة الجهاد عشرين عامًا، وأن يحمل راية المقاومة دون أن تلين له قناة أو يتسرب اليأس إلى نفسه حتى مات شهيدًا سنة (1350 هـ= 1931م).

التعريف بشخصيةعمر المختار في سطور

وُلد سنة (1277 هـ= 1860م) في (البطنان) ببرقة.

تلقى تعليمه في مركز الدعوة السنوسية في واحة (الجغبوب).

نال “عمر المختار” ثقة “المهدي السنوسي” فأولاه اهتمامًا وعناية.

سافر إلى السودان، وعُيِّن شيخًا لزاوية (كلك)، فقام بنشر الإسلام هناك.

اشترك “المختار” في مقاومة الاحتلال الإيطالي في (بنغازي).

بعد سفر “إدريس السنوسي” إلى القاهرة تولى “عمر المختار” قيادة الجهاد في ليبيا.

خاض “عمر المختار” عشرات المعارك، وحقق انتصارات باهرة على الطليان.

ظل “المختار” يقاوم الاحتلال حتى وقع أسيرًا سنة 1931م.

وبعد عدة أيام من الأسر نفذ فيه حكم الإعداد شنقًا.

مولده ونشأته رحمه الله

ولد “عمر المختار” بالدفنة في منطقة (البطنان) ببرقة في شرقي ليبيا سنة (1277هـ=1860م)، وفي السادسة عشرة من عمره انتقل إلى واحة (جغبوب) مركز الدعوة السنوسية، والتحق بمعهد زاوية (جغبوب)؛ حيث حفظ القرآن الكريم، ودرس الفقه والحديث واللغة، وتدرب على ركوب الخيل وممارسة فنون الحرب والقتال.

وقد أبدى “عمر المختار” استعدادًا طيبًا في الدراسة واستقامة وجدية في حياته؛ الأمر الذي لفت إليه أنظار “السنوسي”- زعيم الحركة السنوسية- فقرَّبه منه، وعهد إليه القيام ببعض المهام، فاختاره شيخًا لزاوية (القصور) ببرقه سنة (1315هـ= 1897م)، ولم تكن هذه الزوايا التي يقيمها السنوسيون صوامع عُبَّاد، أو أديرة للنساك المنقطعين للعبادة؛ بل كانت مراكز حية، تجمع بين الدين والدنيا، والعمل والعبادة، وبين عمارة الأولى وصلاح الآخرة، وكانت وسيلة للعودة بالناس إلى الإسلام القويم، وإعادة مجد الأمة السالف، وكان يقطن بهذه الزاوية وحولها قبيلة العبيد، وهم أناس عرفوا بشدة المراس وقوة الشكيمة، وقد نجح “عمر المختار” في أن يسوس شئون هذه القبيلة، ويحل منازعاتهم بالحكمة واللين وحسن التصرف.

“عمر المختار” في السودان

ثم صاحب “عمر المختار” “المهدي السنوسي” في رحلته إلى السودان الغربي في أواخر سنة (1213هـ= 1899م)، وأقام هناك مدة من الزمن، وعينه “المهدي السنوسي” شيخًا لزاوية (عين كلك)، فاستمر “عمر المختار” بالسودان وقتًا طويلاً نائبًا عن “المهدي”، ويقوم بتعليم أبناء المسلمين، ويبشر بالإسلام في هذه الأماكن النائبة.

وبعد وفاة “المهدي” سنة (1320هـ= 1902م) عاد “عمر المختار” إلى برقة، وعين شيخًا لزاوية (القصور) مرة أخرى، فأدار شئونها بهمة عالية وكفاءة نادرة، ونجح أيضًا في أن يدير شئون قبيلة العبيد حتى أسلست له قيادتها، وشكرت له الدولة العثمانية هذا الصنيع بعد أن استتب الأمن، وهدأت الأحوال في منطقة (القصور)، وظل “عمر المختار” في هذه الزاوية حتى نشبت الحرب الليبية الإيطالية، فكان “عمر المختار” من أوائل أولئك الذين استجابوا لنداء الجهاد وحملوا رايته.

مساندتة للقوات العثمانية

كان “المختار” وقت نزول قوات الاحتلال الإيطالي في (بنغازي) بواحة (جالو)، فخرج مسرعًا إلى (القصور)، وخرج بنجدة عظيمة إلى مقر الجيش العثماني في (الرجمة)، ولم يكتفِ بذلك؛ بل اشتبك مع القوات الإيطالية في (بنغازي) في عدة معارك، وظل على جهاده، والتنقل من مكان إلى آخر؛ حتى تمكَّن الإيطاليون من احتلال طرابلس وبنغازي، وتحولت الحرب إلى مقاومة شعبية، اقتصر دور الدولة العثمانية في التوجيه والتنسيق بين المجاهدين الليبيين، وكانت المقاومة الليبية تلْقَى دعمًا هائلاً ومساندة قوية من جارتها مصر، وكانت حملات التبرع تتوالى على المجاهدين من مصر، واشترك في حملة المساندة طوائف كثيرة من الشعب المصري وأمرائه وأعيانه وعلمائه ومثقفيه، وتمكَّنت حصيلة هذه الجهود من وقف الاحتلال الإيطالي عند الحدود الساحلية، وإجباره على عدم التوغل في عمق الأراضي الليبية.

واشترك “عمر المختار” في الحملة التي قادها “السنوسي” بتأييد من الدولة العثمانية لمهاجمة الاحتلال البريطاني في مصر عبر الحدود المصرية الغربية سنة (1334هـ=1915م) في أثناء الحرب العالمية الأولي، وكان الهدف من وراء هذه الحملة إجبار بريطانيا على إبقاء أكبر عدد من قواتها في مصر، وبذلك يخف الضغط على الألمان والعثمانيين في الميادين الحربية الأخرى.

ما بعد الحرب العالمية الأولى

ولما أوشكت الحرب العالمية الأولى على الانتهاء، ولم تكن المعارك بين الليبيين والإيطاليين حاسمة، فقد لجأ الطرفان إلى طريق المفاوضات، وعقد الفريقان صلحًا في سنة (1336هـ= 1917م)، تضمن اعتراف إيطاليا بسلطان السنوسيين في برقة، وأن تعيد إيطاليا الزوايا السنوسية التي استولت عليها، وأن يتعهد السنوسيون بحل معسكراتهم وتجريد القبائل من السلاح، غير أن بنود هذا الاتفاق لم تنفذ، فعقد الطرفان اتفاقًا آخر سنة (1339هـ= 1920م) عُرف باتفاق (الرجمة)، كان أهم ما جاء فيه اعتراف إيطاليا بإمارة “إدريس السنوسي” على برقة، واتخاذ (أجدابية) عاصمة لها.

ثم لم يلبث أن اشتعل القتال بين قوات الاحتلال والمجاهدين الليبيين بعد استيلاء (الفاشست) على الحكم في إيطاليا سنة (1340هـ=1921م)، كانت سياستهم متطرفة، ترمي إلى بسط الاحتلال على الأراضي الليبية كلها، وفي خضم هذه الأحداث غادر السيد “إدريس السنوسي” ليبيا إلى القاهرة بعد أن اشتد عليه المرض، وعهد إلى “عمر المختار” بقيادة الجهاد الإسلامي في ليبيا.

“عمر المختار” في القاهرة

تسلم “عمر المختار” قيادة المقاومة والتصدي للاحتلال الغاشم، وبدأ في تنظيم قواته، وكان المجاهدون منذ احتلال (أجدابية) قد انسحبوا إلى الجنوب، ثم رابطوا في زاوية (القطوفية)، وجعلوا منها قاعدة لمناوشة الطليان في (أجدابية)، وشرعوا يوسعون دائرة عملياتهم العسكرية حتى شملت منطقة الجبل الأخضر تحت قيادة “عمر المختار”.

ولم يجد “المختار” إزاء اتساع عمليات الجهاد إلا أن يتصل بالأمير “السنوسي” في القاهرة ويطلعه على الأحداث، ويتلقى منه التعليمات الجديدة، فسافر إلى القاهرة والتقى به، وفي هذه المقابلة تم الاتفاق على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعها المجاهدون في نضالهم، وتنظيم معسكرات المجاهدين التي كان يطلق عليها (الأدوار)؛ وهي المناطق الجغرافية التي تقيم فيها القبائل الثائرة، وتخزن فيها المؤن والسلاح، وتمَّ الاتفاق على أن يبقى الأمير “إدريس السنوسي” في القاهرة لمدِّ المجاهدين بكل المساعدات الممكنة من مصر، وبذل أقصى الجهد مع السلطات المحلية لتعطيل مساعي الطليان في حمل الحكومة المصرية على منع المجاهدين من اللجوء إلى مصر، ووقف المساعدات والإمدادات عن العرب في (برقة).

وفي أثناء إقامة “المختار” بالقاهرة اجتمع به مشايخ قبيلته الموجودون، وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بدعوى أنه قد كبر سنه، وأنه محتاج إلى الراحة والهدوء، وأن هناك من هو أصغر سنًّا يتحمل تكاليف الجهاد والمقاومة؛ لكن الشيخ الكبير غضب غضبًا شديدًا، وقال لمحدثيه: “إن كل من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيرًا لي؛ لأن ما أسير فيه إنما هو طريق خير، ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكها، وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي”.

“عمر المختار” يتولى قيادة حركة الجهاد

نجح “عمر المختار” في أن يوحد صفوف المجاهدين، وأن يظهر مهارة فائقة في أساليب الكرِّ والفرِّ، وأن يقود المجاهدين في براعة ظاهرة، بعد أن اتفق مع القبائل أن تتولى كل قبيلة تزويد المقاومة بالمقاتلين حسب طاقتها، وأن تتكفل بمؤنهم وملابسهم، واستطاع “عمر” ورجاله منذ سنة (1341هـ= 1922م) من التحرك في جميع المناطق الداخلية، وتوجيه ضربات موجعة لقوات الاحتلال؛ الأمر الذي أفزع الغازين، وشجع أهالي ليبيا على استمرار دعمهم للمجاهدين، ولم تجد إيطاليا أمام تصاعد حركة الجهاد يومًا بعد يوم سوى الاستعانة بالمارشال “بادليو”- رئيس الأركان- وأكبر شخصية عسكرية في البلاد، وتعيينه حاكمًا عامًّا على “ليبيا” وكلفته بسحق المقاومة بأي ثمنٍ ودون رحمة وخلق.

ولما وصل المارشال إلى ليبيا وجه دعوة للمجاهدين للتفاهم والسلام، وهددهم بحرب إبادة إذا لم يصغوا إلى ندائه، وكان ردُّ المجاهدين على دعوته مزيدًا من الهجمات على المواقع الإيطالية، ثم نجحت المساعي بين الجانبين في عقد لقاءات بينهما، والتباحث حول شروط السلام، واتفق الطرفان على عقد هدنة لمدة شهرين، تستأنف بعدها المفاوضات، وكانت الهدنة في جوهرها مكيدة، تستهدف إشاعة الاسترخاء بين المجاهدين، وشق صفوفهم، ومعرفة أسرارهم.

ونتيجة لذلك فشلت المفاوضات، ونشر “عمر المختار” بيانًا في الصحافة المصرية، جاء فيه: “وليشهد العالم أجمع أن نوايانا نحو الحكومة الإيطالية شريفة، وما مقاصدنا إلا المطالبة بالحرية والاستقلال، وأما مقاصد إيطاليا وأغراضها فترمي إلى القضاء على كل حركة قومية.. وها نحن ندافع عن كياننا، ونبذل دماءنا الذكية فداءً للوطن”.

“جرازياني”.. جزار ليبيا

وفي سنة (1349هـ= 1930م) عينت الحكومة الإيطالية “جرازياني” نائبًا للحاكم في برقة، تسبقه شهرته الواسعة في سلوكه الوحشي ضد المجاهدين في الجنوب الطرابلسي، وقد اتبع “جرازياني” إجراءات قاسية للقضاء على حركة المقاومة، بدأت بنزع السلاح من السكان، وترحيل كافة سكان الجبل الأخضر عن موطنهم إلى مناطق قريبة من المراكز الإيطالية، حتى يتمكن من مراقبتهم، ومنعهم من الاتصال بالمجاهدين ومساعدتهم، ولم يكتفِ بذلك؛ بل جعل الإعدام عقوبة لمن يثبت أنه قدم عونًا للمجاهدين، وقد بلغ عدد من نُفِّذ فيهم هذه العقوبة مائتين وخمسين ليبيًّا في أقل من عام.

غير أن هذه الإجراءات البالغة القسوة لم ترهب المجاهدين، فزادوا من عملياتهم العسكرية وضاعفوا هجماتهم على المراكز الإيطالية، وكان ذلك تحديًّا واضحًا لـ”جرازياني”، الذي بالغ في حصار سكان ليبيا، فرحل جميع قبائل الجبل الأخضر و”البطنان” إلى أماكن نائية، وحشرهم في معتقلات محاطة بالأسلاك الشائكة، وتحت حراسة السلاح.

الأسلاك الشائكة.. والسجن الكبير

ولكي يحكم الإيطاليون قبضتهم على ليبيا، ويقطعوا كل سبيل لإمداد المجاهدين بالمؤن والسلاح، قاموا باحتلال واحة (الكفرة)، التي تقع على قرابة ألف كيلو متر من جنوب بنغازي، ومدوا خطًّا من الأسلاك الشائكة المكهربة على طول الحدود المصرية الليبية من البحر المتوسط إلى واحة (جغبوب)، التي ضمت إلى ليبيا، وكانت من قبل تتبع الأراضي المصرية، وامتدت الأسلاك الشائكة لنحو ثلاثمائة كيلو متر.

وكان لسقوط (الكفرة) أسوأ الأثر في موقف “عمر المختار” في الجبل الأخضر؛ حيث انقطعت تمامًا وصول أي أمدادات تصل إليه من مصر، ومع ذلك فقد ظل “المختار” في الجبل يقاوم القوات الإيطالية التي كان عددها يزيد على 13 ألف جندي مزودة بأعتى الأسلحة، في حين كانت قواته بضع مئات يقاتلون في ظروف بالغة الصعوبة.

اللقاء الأخير

عمر المختار أسـيراً




88 مشاهدة