رواية حصنك الغائب

بواسطة: كُتاب بيت العز - آخر تحديث: 9 أكتوبر 2019
رواية حصنك الغائب



الفصل الأول


 

رأسها ثقيل منغمس بثنايا وسادة ناعمة وتعجز تمامًا عن تحريكها..! وعبق غريب يختلط بأنفاسها ويملأ محيطها، وصوت يخترق مدارك عقلها ببطء، وكلمات غير واضحة، تبدو گ همهمة خافتة، تحاول أذنيها التقاط طنينها.. والتساؤلات الصامتة تُطرح بتوجس! لمن تلك الأصوت الغريبة؟! أين هي؟!! البحر؟! تحضيرات عيد الميلاد!!!!

 

وهنا استفاق العقل بغتة واستنفر الجسد بانتفاضة شديدة وكأنها تلقت صاعقة! وحاربت أستار عتمتها المنسدلة أسفل جفنيها وفصلتهما بإجبار، منتشلة عقلها من قبضة النوم المحكمةِ عليها! محدقةً حولها برعب! لتجد ما لم تتوقع رؤيته!!

جسدها يرقد بفراش وسط غرفة مغايرة لما كانت بها .. ويرافقها خمسة رجال!

ماذا يحدث معها؟! هل تعرضت لأختطاف؟؟؟؟

………………………………… .

حتمًا تتسائلون عما حدث.. وكيف سينتهي الحال لفتاة ببراثن خاطفيها! ولكن دعونا أولا  نتعارف بأبطالنا ونتوغل بتفاصيلهم! وأعدكم أن نعود لتلك النقطة المشتعلة مرة أخري!


 

مشط لحيته الفضية بهيبة، وهندم هيئته أماما المِرْآة، ونثر رذاذ من عطره المفضل، فهتفت زوجته بإعجاب لطلته الجذابة، رغم عمره الذي تعدي الخمسون بقليل:

 

هو الباشا مظبط نفسه كده ورايح فين؟

 

ابتسم عاصم ملتفتا لها:وهسافر القاهرة اتابع الشركة، إنتي عارفة إنهاردة أول الأسبوع، وفي اوراق وامور إدارية محتاجة امضتي، وكمان هقابل عميل مهم جدا..!

 

دُرة بتفهم: ربنا يوفقك يا حبيبي!

 

تمتم: اللهم امين..وأكمل: هي بلقيس صحيت ولا لسه؟

_ لأ.. كانت سهرانة على فيلم أجنبي.. ما أنت عارفها مهوسة أجنبي زيك، مابتفوتش حاجة جديدة تتعرض!

 

ضحك قائلا: أحمدي ربنا إنها مش مهوسة تركي زي “جوري” بنت عمها..ثم واصل مشاكسًا: وبعدين مين الي بتتكلم؟ أنتي ناسية إنك بتعشقي الهندي؟ ع الأقل أنا وبنتي بنتفرج على حاجات منطقية بدون مط، مش مسلسل بيعدي 300 حلقة ويشل!

 

أشارت محذرة بشكل مضحك: بطل تريقة يا عاصم.. كل واحد حر في ذوقة.. خليك أنت وبنتك في الأكشن والرعب.. وروح بقي صحيها على ما أقول لذكية تحضر الفطار!

 

قهقة مرددا: خلاص ياستي مافيش تريقة، أتفرجي براحتك ولا تزعلي!

تذكر شيء، فهتف: تعرفي يا “دُرة” .. يزيد أخر مرة كلمني إنه عايز يكتب كتابه على بلقيس أول ما يخلص جيشه؟

 

_طب وأنت قلت أيه يا عاصم، وافقت؟

 

قال بتمني: لو عليا موافق جدا.. إنتي عارفة بنتنا ربنا رزقها بقدر كبير من الجمال الملفت للنظر، وأنا مش هطمن عليها إلا مع يزيد ابن اخويا.. بس حاسس إن البنت لسه مش مايلة له، فهنتظر شوية ، أهو قرب يخلص جيشه وهيركز معاها ويقربها منه أكتر!

 

وافقته بأيماءه، ثم تسائلت:

تفتكر غلطنا أما ضغطنا عليها توافق على الخطوبة؟ صحيح انا بعز يزيد يا عاصم، بس لازم  اطمن إن بلقيس راضية ومبسوطة، مش مجرد تنفيذ لرغبتنا..!

 

_عندك حق، عشان كده مش هوافق على طلبه دلوقت، هو اصلا محتاج يركز في مشروعه ومستقبله، وهي تكون خلصت أخر سنة ليها كلية التجارة على خير.. والجواز مش هيطير!

 

لاحظ شحوب وجهها، فضيق عيناه متسائلا:

 

بس إنتي مالك؟ وشك تعبان، في حاجة مضايقاكي؟

 

همست بشرود واضح: حلمت بكابوس وحش أوي خوفني على بنتي، وقلبي انقبض!

 

أشفق عليها، هو يعلم وساوسها المرضية تجاه بلقيس، دائمًا ماتشعر بالخوف وتحوطها بقائمة مخذورات لا تنتهي، فقط لتطمئن.. أقترب منها مربتًا على كتفها:

عشان كده روحتي بالليل “أوضتها” تطمني عليها؟

 

_أيوة..!

 

حاول بثها الطمأنينة:إنتي شايفاني مقصر في رعايتها، أنا مخصص سواق ليها هي وبس مابتروحش مكان غير معاه، بكلمها كل ساعة، تقريبا مش بسمحلها تخرج لوحدها يا “دُرة”! حتى رحلات جامعتها برفض تطلعها..!

 

ثم استأنف مداعبًا لينتشلها من قلقها: وبعدين انت ناسي يا وحش.. بسبب خوفِك ده طلعتيها زيك تموت في رياضة الجودو.. اللي ماتناسبش ابدا رقتها وجمالها..!!!

 

نجح بتشتيت إنتباهها عن قلقها، فرفعت حاجبيها وهتفت بثقة محببة:

_وهو الجمال يتعارض مع إن البنت تدافع عن نفسها في أي موقف وتكون مستعدة لردع أي سخيف؟!!

 

ثم أكتسب صوتها دلالًا لم يفقد أثره عليه رغم تقدم العمر بهما: وبعدين انت وقعك فيا غير الجودو يا عاصم؟!  ولا نسيت!!

 

برقت عينه بنظرة عابثة:

 

_ودي حاجة تتنسي ياوحش.. يومها اخدتيني على خوانة لما عاكستك وضربتيني قلم لوحني وخلاني شايف الناس 4 نسخ!!

 

ضحكت لتشبيهه مستعيدة تفاصيل تلك الذكرى! فواصل عاصم بنظرة أكتسبت عشق لم يخفت مع مرور الزمن:

 

حلفت بعدها ماهسيبك غير وانتي في بيتي عشان اخد تاري منك واربيكي واعرفك مين هو عاصم ابو المجد! واقترب أكثر محيطًا خصرها بتملك:

 

_وأخدتوا تالت ومتلت!! لقيتك مختلفة عن كل البنات اللي عرفتهم بنت جميلة أوي بس جدعة وبميت راجل.. حبيتك وعرفت ازاي اخليكي تحبيني.! ولا تنكري إن أنا كمان وقعتك وكسبت رهاني قصادك؟!

 

ضوت شمسيها وهي تطالعه بحب، متوسدة بكفيها على صدره:

 

لا يا عاصم ما انكرش إني حبيبتك لأني لقيت فيك الرجولة والأمان اللي كنت محتاجاهم .. بعد ما كنت فاقدة الثقة في الجميع .. والسبب جمالي زي ما قلت كان مطمع الناس فيا..وعرضني لسخفات كتير، عشان كده اتعلمت ادافع ازاي عن نفسي، ولنفس السبب خليت بلقيس كده، محدش عارف إيه اللي ممكن يحصل! ودلوقتي مابتمناش من الدنيا غير إن يحفظك انت وهي لأنكم كل حياتي .. وبعترف أن خوفي يمكن مرضي .. بس غصب عني!!

 

ربت على ظهرها بحنان:

 

مش مرضي ولا حاجة يادُرة..  ده طبيعي..  وأنا فاهمك.. واوعدك احافظ على بنتا ومخليش أذى يصيبها طول ما أنا عايش!

 

وواصل:  ويلا بقى ياست الكل، خلي ذكية تحضر الفطار عشان اتأخرت على شغلي! وهروح بقى اصبح على ست الحُسن، يكون الفطار جهز!

 

منحته ابتسامة تلاشت فور مغادرته، وتفاصيل ذاك الكابوس مازال يزعجها، وتصيب قلب أمومتها بالخوف! وتساؤلات خفية بعقلها لا تدري لما يداهمها دائمًا..!هل حقًا جمال ابنتها نعمة؟ أم سيكون نقمتها ولعنتها الآتية؟ اللهم لطفك فيما تعلمه..ونجهله نحن ونخافه!


 

عبر لغرفتها وتوجهه للنافذة مزيحًا عنها الستائر الشفافة، ثم فتحها على مصراعيها، ليتدفق نور الصباح، ويغمر غرفة ابنته، و”ملكة أبيها” كما يلقبها دائما..أقترب من فراشها وجلس جوارها وانحنى يقبل خدها: أصحي يا روح بابا عشان اصطبح بوشك الحلو واتوفق في شغلي!

 

تمطعت بكسل وابتسمت ومازالت أجفانها مُسدلة:

صباح الخير يابابا.. !

 

ابتسم ببشاشة: صباح العسل والورد والفل! ايه معندكيش محاضرات إنهاردة؟

 

هتفت بصوت مازال ناعس: عندي بعد ساعتين!

 

_ طب يلا عشان نفطر و تحضري نفسك، إنتي الساعتين دول يدوب هتلبسي فيهم!

 

ضحكت بدلال وقد بدأت تفيق: بتتريق ياعصومي!

هتف بتحذير زائف: بلاش عصومي، أمك محتكراه ليها وبس!

 

_طب بذمتك تحب مين فينا يدلعك أكتر أنا ولا دُرة..!

 

ضحك مرددًا: ” دُرة”؟ هي مرات ابوكي؟! عموما يا بكاشة انتو الأتنين طبعا.. ثم داعب انفها: وقومي بقى عشان تفطري معايا قبل ما اخرج..!

 

هتفت بحماس بعد أستعاد عقلها نشاطه: ماشي، بس اوعدني تيجي بدري انهاردة، في فيلم اجنبي تحفة ، وأول عرض على ” mpc 2″ عايزة اشوفه معاك في السهرة!

 

أجابها بذات الحماس: أجبني وأول عرض.. لا يبقى هاجي بدري إن شاء الله وهجيبلك تسالي ومكسرات من اللي بتحبيها عشان السهرة تحلى..! قومي بقى كفاية رغي هتأخر بسببك!

 

مطت ذراعيها وهي تتثائب: حاضر هقوم اهو!

 


أنتهت من تمام هيئتها وزينتها البسيطة المناسبة للصباح، وانضمت لوالديها حول مائدة الإفطار العامرة

ومن ثَمَ ذهبت مع سائقها تلحق بمحاضرات أول أيام الأسبوع!

…………… ..

ما أن رآها السائق، حتى ترجل من السيارة، واستدار ليفتح لها الباب الخلفي باحترام، هاتفا:

 

_ صباح الخير يا بلقيس هانم! أتفضلي!

 

أجابته وهي تستقل المقعد الخلفي، واضعة جوارها حقيبتها: صباح الخير يا عمو راغب”

وواصلت:  صحتك عاملة أيه دلوقت.. السكر اتظبط!

 

أجاب: الحمد لله ياهانم احسن عن الأول!

 

هتفت بضجر:  أنا بكره كلمة هانم دي منك ياعمو راغب، قولي بلقيس وبس!

 

منحها نظرة تنم عن إمتنانه الممتزج باحترامه:

 

يابنتي إنتي اه في معزة بنتي “مي” وربنا عالم.. بس بردو العين ماتعلاش على الحاجب.. انتي بنت عاصم بيه ولي نعمتي..  وأمانتي اللي بحافظ عليها وماينفعش اكلمك بدون ألقاب!!  سيبك من كده بقى وقوليلي ليه شكلك مضايق كده!

 

_ متغاظة ياعمو.. ماما وبابا رفضوا اتعلم السواقة بحجة إني مش مسموح أروح أي مكان لوحدي، ولازم انت توصلني.. ده غير رفضهم أطلع رحلة ” راس البر” اللي منظماها الجامعة الأسبوع الجاي.. هو إمتى هيحسوا إني كبرت مش فاهمة! أنا حاسة بحصار مضايقني!

 

_ حقهم يخافوا عليكي، ده انتي الحيلة.. وبعدين مش عايزة عمك راغب يوصلك ليه؟! عايزة تقعديني في البيت من غير شغل..!

 

_ لأ طبعا.. أنا اقصد مشاوير معينة ابقى لوحدي فيها البنات في الجامعة بيلقحوا عليا بالكلام ان أهلي بيعاملوني كأني طفلة.. عايزة احس بالحرية شوية.. مش الخنقة دي! ده “جوري” بنت عمي الأصغر مني عندها حرية عني!

 

قال مواسيا: بردوا اعذريهم، وبكرة تفهمي وتقدري خوفهم ده، لما تتجوزي وتخلفي ولاد.. ساعتها هتحسي بيهم!

 

اتسعت عيناها وارتفع حاجبيها تعجبًا:  انتوا بتغششوا بعض ولا أيه؟! ده نفس كلام ماما وبابا..!

 

ضحك مسترسلا:  لأ دي مش محتاجة غش.. دي حاجة طبيعية.. وعمك العجوز أب وفاهم شعورهم!

 

مطت شفتيها:  ماشي مش هخلص أنا من وصلة النصايح.. لعلمك لما اتجوز واجيب ولاد هخلى عندهم حرية مش هخنفهم ابدا و”أعد” عليهم أنفاسهم كده..!

 

ابتسم وعيناه مصوبة علي الطريق: ربنا يصلح حالك انتي واللي زيك قادر يا كريم!

وتابع قوله، التقاطه شيئا ما من تجويف أمامه:

اتفضلي يا أميرة المنصورة الشيكولاتة بتاعة كل يوم!

 

ابتهجت وهي تتناول مغلف الشيكولاتة الصغير:

_ أيوة كده لحقت نفسك، أنا كنت خلاص أخدت قرار أخاصمك عشان نسيت الشيكولاتة!

 

ابتسم بمحبة حقيقية:  وأنا أقدر ياست الحسن.. ده أول حاجة بعملها الصبح إني بشتري أتنين ليكي انتي ومى بنتي!

 

شكرته، وراحت تستمتع بطعم “الشيكولاه” وهتفت بعد برهة: تفتكر ياعمو راغب لو أخواتي التؤام كانوا مش ماتو في حادث وهما صغيرين، وفضلوا عايشين..  كان ماما وبابا هيركزوا معايا كده؟

 

_ متهئلي كان اهتمامهم هيتقسم عليكم كلكم.. بس الله يرحمهم حادث غرقهم أكيد معلم جواهم.. وللسبب ده مش بيخلوكي تروحي أي مكان فيه بحر!  ولازم تقدري خوفهم ده.. مافيش، اصعب من اللي حصل عليهم!

 

أومأت برأسها بتفهم:  عندك حق، ماهو ده اللي بيخليني اعذرهم ساعات ..!


 

شركة ” أولاد ابو المجد للتصدير والاستيراد” في القاهرة!

 

عاصم مستمعا لمدير مكتبه، وهو يتفحص بعص الأوراق قبل توقيعها..!

 

علي: ده سيادتك افضل عرض أسعار أتقدم من شركة الشحن مع تسهيل في المعاملات الورقية والتخليص الجمركي وتعهدها بضمان نقل منتجنا بشكل آمن وسريع!

 

عاصم بإيماءة: أنا فعلا شايف إن أسعارها مناسبة جدا خلاص على بركة الله!

أكمل ” علي”: وحددت معاد مع العميل الجديد، وهو هيوصل في خلال دقايق يافندم!

 

عاصم:  تمام، وانا منتظره.. روح انت على شغلك، وابعتلي قهوتي مع عم صابر!

 

_ حالا يا فندم هوصي عليها فورا..!

 

” وأما أدهم بيه يوصل خليه يعدي عليه”

 

التفت الموظف ” علي” مرة أخرى:

حاضر يا فندم، أول ما يوصل هبلغه..!


 

” كنت بتكلم محمد أخونا يا عاصم؟”

 

استدار مجيبًا، بعد أن أنهى مكالمة دولية:

 

أيوة يا “أدهم” ، كنت باخد رأيه في حاجات تخص شغلنا، إنت عارف بحب احطه في الصورة، هو شريك معانا وده حقه.. واستطرد: هو وبيسلم عليك وعلى الكل!

 

ابتسم بحنان:  الله يسلمه ويرجعه بالسلامة، واحشني أوي..  الغربة واخداه مننا، ياريته ينزل قريب هو ومراته والولاد!

 

_ بيقول قريب هينزل ويستقر معانا.. ربنا يسهل!

 

أومأ برأسه:  إن شاء الله..!

واستأنف: على قالي إنك قابلت عميل جديد!

 

_ أيوة، عميل أوكراني.. جاي يتفق علي استيراد عصير برتقال ” أورجنك” من عندنا..!  والحمد لله اتفقنا على السعر، وهتصل ” بجلال” ابن عمنا اعرفه لأن هو المسؤل عن مصنع التعليب، وهيتابع معاه لحد ما يستلم الطلبية!

 

أدهم: بإذن الله، هتتسلم وتوصل بأمان!

 

عاصم : على خير، كنت عايز اقولك اقتراح!

بما إننا بنصدر فواكهة وموالح أراضينا للخارج، إيه رأيك نزود أصناف منتجاتنا.. مثلا ألبان ومشتقاته، ودجاج مجمد؟ بما إننا هنشتري المزرعة اللي انت قلت عليها!

 

أدهم وقد بدا أستحسانه للفكرة:  والله ليه لأ..وأصلا المزرعة بالفعل جاهزة وقريبة في المنصورة جمبنا.. وعابد ابني بما إنه هيكون مهندس زراعي، هيتولى إدارتها ومتابعتها!

 

_ ما انا عارف وعشان كده عرضت الفكرة دي، واما قلت لمحمد وافق جدا..!

_ خلاص يبقي سيب عليا أنا وعابد القصة دي، وانت تظبط أنت اتفاقاتك مع العملاء والجزء التسويقي والاتفاقات المادية، وأحنا علينا الباقي!

وواصل:  ياريت يزيد كان ينضم معانا في نفس المجال، بس للأسف هو حب مجال الهندسة المعمارية أكتر.. وحلمه يعمل المشروع ده اما يخلص جيشه، أهو فاضله أيام وبنتهي تجنيده نهائي!

 

التمعت عين عاصم بإعجاب: المهم إنه مختار طريقه وهيشتغل في حاجة بيحبها.. ربنا يبارلك فيه، بصراحة ولادك ونعم الشباب يا ادهم، جادين ومحترمين وكل واحد محدد هدفه في الحياة، مش ماشين كده عبث..!

ادهم بلمعة فخر أبوي: الحمد لله يا اخويا، وبعدين دول ولادك انت كمان يا عاصم ولا أيه؟

 

ابتسم عاصم: اكيد واكتر، صحيح ربنا ماكتبش إن  ولادي يعيشوا، بس بلقيس بنتي عندي بالدنيا كلها، وولادك سند ليها بعد ربنا من بعدي..!

 

_ ربنا يعطيك طولة العمر ويفرحنا بيهم كلهم!

 

تمتم عاصم: اللهم امين!


 

بعد أسبوع!

 

_ ريحة خبز الكماج المفحفح واصلة “أوضتي” فوق!

 

تهلل وجه ” كريمة” البشوش النضر رغم عمرها الذي تخطى منتصف الأربعين وهي تتلقى ثناء زوجها على ما صنعت!

 

_ صباح الورد يا أدهم.. أنت عارف الكماج بالذات “يزيد” بيحبه من إيدي..! عشان كده مخليتش “أم السعد” تعمله!

 

اجابها: بس تعبتي نفسك.. خدي بالك الدكتور موصي ما تجهديش ضهرك كتير..!

 

_ ماتقلقش يا حبيبي، وتعبكم يهون.. كفاية عليا اعمل حاجة بتحبوها..!

 

هتف بمدح:  لازم نحبها يا ” كرومتي”  المنصورة كلها مافيهاش حد بيعمل خبز الكماج زي ما بتعمليه انتي!

وواصل بمشاكسة: طبعا بتجهزي وليمة فخمة على شرف حضور ابنك الكبير اللي نازل بكرة من جيشه.. أنما احنا في العادي بنتكروت!

 

ضحكت هاتفة: جرى ايه يا ادهم هتغير من ابنك، يعني عايزه يكون جاي وما اعملش كل اللي بيحبه؟!

 

_ لا يا ستي، اعملوا وانبسطوا.. وواصل: المفعوصة جوري، لسه نايمة؟

 

مطت شفتيها بتهكم: طبعا، هي وراها إيه غير الفيس والتركي والرغي مع عطر بنت خالتها..!

 

( سامع يادومي ماما بتقول عني ايه، وانا اللي سبت نومي وقمت عشان اساعدها يكون جزائي اسمع الكلام الجارح ده؟! )

 

أدهم بتحذير :احترمي نفسك يابت أنتي بلا دومي بلا اندومي!..مش حذرتك من السهر الزيادة؟!

 

اقتربت من أبيها واحاطت عنقه بدلال:

وحياتك يا بابا حاولت اصحي بدري ، بس اعمل ايه كنت سهرانة لوقت متأخر بذاكر.. ثانوية بقي ولازم تعذروني!

 

الأم مكذبة: بتذاكري ولا سهرانة على الفيس بوك الفاشل بتاعك!

جوري معترضة: الفيس مش فاشل، ده بقى شيء أساسي في الحياة يا مامتي..وبستفيد منه والله مش مجرد تسليه، واسحبي بقى كلامك بدال ما أزعل واجيب ناس تزعل معايا..!

 

أجابتها ببراءة: هتجيبي ناس تزعل معاكي ليه؟!

 

” مجاملة يا “كيما”

 

جائتها الأجابة على لسان عابد، الأبن الأوسط الذي انضم إليهم للتو!..فصفق أدهم كفيه بنفاذ صبر:

 

اتفضلي يا ستي ادي أخرتها مع ولادنا المؤدبين، واحدة بتقولي يا دومي والتاني بيقولك يا “كيما” كأنك بنت خالته مش امه!

 

عابد بعد أن تجرع بعض الماء من قنينة زجاحية:

 

_ عندك حق أدهم.. انت مخلفتس إلا يزيد!

 

نهره أبيه: أدهم في عينك، انا هروح اصلي احسن.. مش هنضيع يوم الجمعة في الاستظراف خلينا نروح المسجد بدري.. ثم نظر لابنته:  وانتي يابرنسيسة، قولي “لأم السعد” تحضر الفطار!

 

أجابت بمزاح: حاضر يا دومي.. بس ادعيلنا وانت بتصلي ياحج!

 

_ هدعيلك تعقلي إن شاء الله!

 

مطت الأم شفتيها وهزت رأسها بيأس وهمت بالمغادرة، فأوقفها عابد:

_ سؤال رفيع يا ماما قبل ما تغطسي في المطبخ.. لأن في حاجة مهمة لازم اعقب عليها؟!

 

عقدت ذراعيها وطالعته بسخرية: أتحفني ياحبيب ماما وعقب براحتك!

 

هتف بعتاب مازح: دلوقتي يزيد هو حبيبك وأول فرحتك.. والمفعوصة دي اميرتكم الصغيرة واخر العنقود..! أنا بقى گ عابد، موقعي أيه في الأسرة السعيدة دي يا ست ماما؟

 

أقبلت عليه وقرصت إحدى وجنتيه:

أنت البكاش الوسطاني، اللي بتاكل بعقلنا حلاوة.. وحبيب الكل، وقلب أمك من جوة!

 

عابد بمشاكسة: ده اللي هو أنا بردو، ده انا الغلبان المركون على الرف! عموما مستعد أصدق لو وليمة بكرة فيها بشاميل!

 

دللته هاتفة: طبعا ياعبودي عاملة بشاميل عشانك مخصوص.. واستطردت: بس سيبني بقى وروح صلي على ما الفطار يجهز!


_ مضايقة جدا يا عاصم إني تعبت كده، ” الكحة” شديدة، ولازم أروح أسلم على “يزيد”..خصوصًا إن ” كريمة” أكدت عليا الصبح! لأنها عاملة عزومة للكل!

 

_ مادام تعبانة صعب تروحي.. وابن أخويا مش غريب، أي وقت نبقى نعدي نسلم!

 

_ طب ماتروح أنت وبلقيس!

  • لأ مش ظريفة.. أما تخفي نروح سوا..وبلاش تحبكيها.. أحنا مافيش بنا الحساسيات دي!

 

هتفت برضوخ:  خلاص زي ما تحب!


في اليوم التالي!

 

ينهب الطريق نهبًا الشوق يقتله للوصول إلي اسرته والألتقاء بهم..أخير انتهت فترة تجنيده واصبح حرًا، لن يعيق تخطيطه لمستقبله شيء، وحلمه  بإنشاء شركة مقاولات كبيرة للبناء والتعمير، وكم يأمل أن يُصبح مشروعه صرحًا ضخما بعالم الإنشاءات ذات يوم! أما حلمه الذي لا يقل اهمية، هو تمام اقترانه بأبنة عمه “بلقيس”..أميرته وحبيبته التي نمى حبها داخله منذ سنوات طفولته البعيدة.!

…………

 

” وحشتيني ياست الحبايب”

 

أجفلها صوته من خلفها وهي بحديقة منزلهم تنتظره،  فاسقطت ما بيدها وهي تستدير إليه بلهفة، و تلقفته بين ذراعيها هاتفة ببوادر بكاء: حبيب قلب امك، وحشتني يا ” يزيد”!

 

احتضن رأسها الذي يصل بالكاد لكتفه، ولثم رأسها:

وانتي وحشتيني أكتر يا ماما.. واخيرًا خلصت جيشي وهتزهقي مني وتقولي كنت مرتاحة من وجع الدماغ..!

ابتسمت من بين بكائها..وفاضت عليه بمشاعرها وهي تحتضنه وتقبله : عمري ما ازهق منك ابدا.. ده انا روحي بتترد اما بشوفك يا يزيد..! وتفحصته بعيناها هاتفة بقلق: بس ليه جسمك خاسس كده يا حبيبي ووشك تعبان!

 

” ماهو الجيش مافيهوش اوبشن الأكل بتاعك اللي يرم عضمه يا كريمة.. ووسعي بقي خليني ارحب بابني واخده في حضني!”

 

تبادل يزيد مع أبيه العناق:

_ بابا حبيبي، وحشتني ياغالي!

 

أدهم: أنت أكتر يا حبيبي، وحمد لله على سلامتك يابطل، نورت البيت!

 

يزيد مقبلا كف أبيه: الله يسلمك يابابا.. وحشتني ووحشني الكلام معاك فوق ماتتصور!

 

داعب الأب رأسه بحنان: مش قدي.. عموما اديك بقيت معانا خلاص.. وهنتكلم لما نشبع!

 

_ بإذن الله.. أمال فين عابد والمجنونة جوري!

 

والدته ومازالت عيناها تحتضن ملامحه: عابد راح مشوار مع ياسين ابن خالتك وقال مش هيتأخر، وجوري هتلاقيها في اوضتها بتتكلم في التليفون هي وعطر كالعادة، ما انت عارف اختك مابتفصلش رغي هي وبنت خالتها..!

 

ابتسم متمتما: والله وحشتني بنت اللذينا.. هروح “أطب” عليها واشوفها..وبعدين اخد حمام بسرعة يكون عابد جه ونتغدى احسن مشتاق لأكلك، وعايز اروح اكل من الحلل وهي لسه علي النار..!

 

هتفت وصوتها تفيض حنان: قلب أمك انت.. روح خلص حمامك وسلم على المفعوصة اللي جوه دي، على ما السفرة تجهز باللي قلبك يحبه كله يا نور عيني..!


 

مستلقية “جوري” على جانبها الأيمن بفراشها، تداعب بعض خصلات شعرها، بينما تقبض على هاتفها باليد الأخرى متمتمة:

 

_ شوفتي ياعطر الموسم الأول لمسلسل “الغراب” أنتهى على إيه؟! تفتكري “ديلا” ماتت؟

 

_ لا معتقدش يابنتي دي البطلة.. أكيد هتعيش، وأدينا هنستنى الموسم التاني للمسلسل!

جوري:  ربنا يصبرني بقى للموسم التاني!

عطر: مضطرين نستنى، وبعدين نكون خلصنا امتحانات الثانوي خلينا نركز فيها..!

جوري: هنركز ياستي وربنا يستر ونجيب مجموع كبير! واستطردت:  اسكتي بابا وماما لو عرفوا إني كنت سهرانة على حلقة ” كوزجون” امبارح، كانوا علقوني، انا مثلت عليهم إني كنت بذاكر!

 

” أه يا فاشلة.. طب أنا هقولهم إنك كدبتي”

 

انتفضت بغتة على أثر سماع صوت يزيد خلفها، وقذفت الهاتف من يدها وهي تصرخ بفرح متعلقة بعنقه مهللة: آبيه يزيد جيت أمتى وحشتني أوي أوي أوي!

 

بادلها العناق: جيت من شوية وانتي بترغي في الغراب وديلا! وواصل: مش هتعقلي بقى وتسيبك من الهبل ده اللي هيوديكم في داهية والله!

 

هتفت باعتراض: لا طبعا أنا بموت في التركي، وده مسلسل باريش الجديد بعد حب للأيجار.. وانت عارف بحبه ازاي? يا سلام يا آبيه لو اتجوز واحد شبهه ?ده انا ابقي مافيش اسعد مني!

 

نكزها بخفة على رأسها موبخا:

_ أحترمي نفسك وماتتغزليش في راجل قدامي!

وبعدين يابنتي خليكي في المصري تكسبي.. دول عالم باردة.. المصري راجل حامي وخشن.. مش ملون وناعم وبارد زي الممثلين بتوعكم دول!

 

وقفت متخصرة باعتراض: لا طبعا ياكبير، التراكوة رجالة جامدين وزي الفل! وباريش مش ملون أصلا!

 

هتف بغيرة تلقائية: اتلمي يا جوري بدال ما امنعك تتفرجي عليهم، اديني خلصت جيش وقاعدلك!

 

قرصت وجنته بدلال: يؤبر قلبي حبيب أخته الغيور المسكر اللي وحشني مووووووت!

تخلص من يدها وهتف بعبوس زائف: ماشي يابكاشة، خلصي مع بنت خالتك المروشة زيك وخليها تيجي بسرعة وحشتني القردة، وانا هاخد حمام واجي!

 

وغادرها، فشهقت متذكرة الهاتف الذي لم تغلقه، والتقطه سريعا: سوري ياعطر رميت التليفون من ايدي من غير ما اقفل معاكي.. أصل آبيه يزيد جه..يلا بقي بسرعة تعالي عشان عايز يشوفك وهنتغدى كلنا سوا..!

 

أجابتها بغضب طفولي: ماشي، بس أنا سمعت كل حاجة..  بقي أنا مجنونة وقردة؟! طيب يا يزيد، عموما هلبس وجاية، مش هستنى ماما..!


 

منزل ناجي الكومي ( والد عطر)

 

_ يا عطر! أتصلي ببابا وياسين اخوكي  شوفيهم جايين إمتى، عشان نروح نسلم على يزيد ابن خالتك!

 

واقفة أما خزانة ملابسها. تتأمل الكنزات المختلفة بألوانها وبناطيل الجينز المفضلة لديها.. محاولة انتقاء مايناسبها ارتدائه.. بعد أن أنهت المحادثة الهاتفية مع جوري ووعدتها بالذهاب إليها سريعا، أخيرا ستراه وتشاكسه كعادتها..! حسنًا فلترتدي تلك الكنزة بلونها القرمزي المميز! وأثناء حيرتها، صدح صوت والدتها من بعيد وهي تنادي، فدنت من باب غرفتها هاتفة بصوت مرتفع:

ماما انا مش فاصية، يدوب البس وانزل!

 

بعد قليل، أتت والدتها هاتفة وهي تتكيء على باب الغرفة المنفرج:

_  لابسة ومتشيكة ورايحة فين حضرتك؟

 

أجابتها عطر: هروح لخالتو، يزيد جه، وانا هروح عشان اشوفه!

 

فدوة: طب ما أنا بقولك اتصلي بابوكي واخوكي استعجليهم عشان نروح كلنا..!

 

تمتمت باعتراض: انا لسه هستنى! ، هروح وانتم حصلوني.. سلام بقى!


 

ظلت تطرق البوابة ثم ترن الجرس بتتابع مزعج، فهتف يزيد من الداخل:

_ أكيد دي المجنونة عطر.. محدش إيده بتلذق في الجرس كده غيرها..! وصل إليها، وما أن رآته حتى هتفت مازحة: كفارة يا يزيد!

 

_ كفارة؟! ليه يا اختي، هو أنا خارج من السجن يا مجنونة انتي!

 

ضحكت : عارفة بس بهزر معاك، نورت المنصورة كلها..!

_ ده نورك ياستي، أمال فين خالتو وياسين واستاذ ناجي!

_ جايين، بس أنا قلت اسبقهم، وسعلي بقى عشان اسلم على باقي الشعب!

 

افسح لها المجال، فعبرته ملقية التحية على الجميع متبادلة معهم المزاح، خاصتًا هي وعابد وجوري! وبعد وقت قصير.. انضم لهم والديها وشقيقها “ياسين”  فالتفوا جميعهم حول مائدة الغداء الممتدة بكل ما طاب، بأجواء مليئة بالحنين لأبن كان غائب، وأستقر وجوده أخيرا بينهم..!

 

وبينما الجميع في تثامر ومزاح مبهج.. يراقب ” يزيد” اتجاه الباب، علها تأتي.. أشتاقها وتمنى أن يرى وجهها المليح..! لكن أوشكت السهرة على الانتهاء.. وربما لن تأتي!

 


 




1019 مشاهدة